أخبار وطنية في قراءة للمبادرة التشريعية لتنقيح المرسوم 116: القاضي عمر الوسلاتي يكشف كيف تشرّع مبادرة ائتلاف الكرامة للفوضى ولانتهاك سيادة القانون
بقلم القاضي وعضو الهيئة العليا المستقلة للإتصال السمعي والبصري عمر الوسلاتي
يقتضي غالبا تنقيح القانون قراءة مستفيضة في كامل الاحكام وقبل ادراج أي تعديل قانوني تناسق بين الفصول لان المساس بفصل او بفصلين وان كان يحقق غاية أصحابه فانه يدخل كامل النص في تضارب وتعارض باعتبار ان ذلك ينال من وحدة النص ويخلق وضعيات قانونية غير متجانسة وغير قانونية إما داخل النص ذاته او مع الاحكام الأخرى التي لها علاقة به ومنها بالضرورة الدستور والاتفاقيات الدولية ذات العلاقة التي صادقت عليها الجمهورية التونسية والقوانين الأساسية التي تنظم مجال التدخل التشريعي.
وخلافا لما تمسك به المبادرون- أصحاب شعار الحرية في المجال السمعي والبصري - بتعديل الفصلين 7 و17 من المرسوم انه كان حاجة ضرورية ومستعجلة للجواب على حالة فراغ تشريعي تعيشه الهيئة بعد انتهاء عهدتها التي اقرها القانون- حسب اعتقادهم - والحال ان المحكمة الإدارية اعتبرت انّ المدة الزمنية للهيئة مرتبطة بسن قانون جديد لتعويض الهيئة الحالية طبقا لما يقتضي الفصل 148 من الدستور في باب احكامه الانتقالية، وهي حجة قانونية ضعيفة لا تعطي الضوء الأخضر لأصحاب المبادرة في المضي قدما في تنقيح المرسوم 116.
وما يدهش أكثر ان أصحاب المبادرة أقروا في التعديل المقترح لاختيار أعضاء جدد للهيئة ان يقع انتخابهم باغلبية مطلقة 109 للمجلس وان كان يحترم طبيعة النص لكنهم عن قصد قد تناسوا تماما انّ المقترح يتعارض مع احكام الفصل 6 ـ من القانون الاساسي عدد 47 لسنة 2018 مؤرخ في 7 أوت 2018 يتعلق بالأحكام المشتركة بين الهيئات الدستورية المستقلة يتولى مجلس الهيئة تحقيق المهام الدستورية المسندة للهيئة انه " يتكون المجلس من أعضاء متفرّغين يتم انتخابهم لفترة واحدة مدّتها ست سنوات، بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس نواب الشعب." هذا الفصل اعلى مرتبة لا يمكن تعديل مرسوم بقانون أساسي يتعارض مع قانون اخر أساسي وضع احكاما مشتركة للهيئات الدستورية.
وبالتالي -وان صدق عزمهم في تحقيق وعيدهم الفكري لأعضاء الهيئة الحالية- دون وعي بأهمية هذه المؤسسة التي لا طالما دافعت عن حقهم في التعبير عن آرائهم المختلفة وأحيانا الصادمة في مختلف وسائل الاعلام فانه لا يمكن لمجلس نواب الشعب- اذا كنا طبعا في دولة قانون تحترم نفسها ونظامها ومؤسساتها - أن يصادق على قانون أساسي بتعديله فصلين من المرسوم 116 المؤرخ في 02/11/2011 المتعارضة مع احكام قانون أساسي آخر أسبق منه ويكون بالتالي مشوب بالتضارب وعدم الدستورية ويكون الفصلين ولأول مرة في تاريخ التشريع يتضمن فصول من درجات وحجية مختلفة .
تهدف المبادرة التشريعية بالأساس – لخدمة لبعض المؤسسات – باقتراح الغاء نظام الاجازة وتعويضه بنظام التصريح بالوجود وتتحول الهيئة الى مكتب ضبط - نكاية في اعضائها - مما قد يخلق وضعية جديدة لكل المؤسسات السمعية والبصرية والجمعيات القانونية حاليا الى وضعية غير قانونية - لأنها خاضعة في نشأتها لنظام الاجازة - ولم يضع أصحاب المبادرة أي تصور لطريقة التعامل مع هذه المؤسسات التي ستكون خارج القانون- مثلا بوضع احكام انتقالية وفترة زمنية لتسوية الوضعية - والجميع يعلم الغاية من وراء ذلك هي إضفاء الشرعية على القنوات والاذاعات خارج القانون وبالتالي فإن كل الفصول المتعلقة بالإجازة وبالعقوبات لم يشملها التعديل وهي أصبحت بهذا التعديل لا معنى لها.
لقد تناسى أصحاب المبادرة ولا اعتقد ذلك لأنّ غايتهم بقراءة بسيطة للمقترح هو إحالة الهيئة ومرسومها 116 على الموت السريري بالنظر الى العدد الكبير من الفصول التي تطالها هذه المبادرة التشريعية -ان صح تسميتها بتشريع - من ذلك الفصل 2 المتعلق بتعريف المصطلحات " صاحب الاجازة "و الفصل الثالث المتعلق بالحق في النفاذ للمعلومة لكل المواطنين وحق الرد - في غياب نظام الاجازة وتعويضه بنظام التصريح فانه يتم وأد نظام مراقبة احترام وسائل الاتصال السمعي والبصري للضوابط الأساسية المتعلقة بحقوق الاخرين الفصل 5 من المرسوم .
كما ينال هذا التعديل من الفصل 6 الذي اعطى للهيئة ضمان التعددية (وبالتالي من يملك المال سيستحوذ على الاتصال السمعي والبصري ويمركزه بيد اللوبيات اضافة الى كل ذلك فان هذا التعديل أطاح بالفصل 15 من المرسوم المتعلق بدور الهيئة بتجنب التركيز في ملكية وسائل الاعلام السمعية والبصرية لتصبح وسائل الاعلام ملكا للأحزاب والشخصيات التي تملك الأموال خارج أي رقابة من أي جهة كانت إضافة لذاك الغت المبادرة التشريعية كامل احكام الفصل 16 من المرسوم خاصة فيما يتعلق بدورها في البت في مطالب الاجازات وغيرها واحالتها للغير ومراقبة احترام وسائل الاعلام لكراسات الشروط سنكون إزاء نظامين وسائل اعلام خاضعة لنظام الاجازة ووسائل اعلام خاضعة لنظام التصريح وهذا يتعارض مع مبدا المساواة امام القانون .
لا يمكن لمتابع بسيط ان يتصور انّ ما اقدم عليه أصحاب المبادرة هو إيجاد حل قانوني لوضع غير قانوني ولكنهم بقصد احدثوا دمارا في مؤسسة قانونية من مؤسسات الدولة لأنّ هذا التعديل لا ينال فقط من الفصول التي ذكرتها بل ينال من الفصل 17 من المرسوم في علاقة بتخصيص الترددات الراديو كهربائية والفصل 18 المتعلق بضبط المعلوم المستوجب وسلم العقوبات التي اقرها المرسوم في صورة الاخلال بالقانون وكراسات الشروط 29 و30 ويصبح سحب الاجازة او التقليص من مدتها لا معنى له كما ان نظام التصريح حيلغى دور الهيئة في زمن الانتخابات مما يجعل من وسائل الاعلام تعمل خارج أي ضوابط وبالتالي النتيجة بروبقاندا سياسية وانتخابات غير نزيهة من اجل ان يحافظ الخارجون عن القانون على مراكز نفوذهم .